ابن ميثم البحراني

88

شرح نهج البلاغة

أيضا وصرع وقتل عبد اللَّه وحال الليل بين القوم فنجا دريد بعد طعنات وجراح حصل له فقال القصيدة ، وإنّما قال عليه السّلام : أخو هوازن . لنسبته إليهم فإنّ دريدا ابن الصمة بن بنى جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن . ونحوه قوله تعالى « وَاذْكُرْ أَخا عادٍ » لنسبته فيهم وكذلك قال لهم أخوهم لوط ويكفي في إطلاق لفظ الأخوّة مجازا مجرّد الاتّصال بهم والملابسة لهم وقد عرفت ذلك ، ووجه تمثّله عليه السّلام بالبيت : إنّي كنت وإيّاكم في نصيحتي ونهيي من الحكومة ومخالفتكم أمري المستلزمة لندامتكم على التفريط كهذا القائل مع قومه حيث نصح لهم فعصوه فلحقهم من الندامة والهلاك . واعلم أنّ الَّذي كان أشار به على أصحابه : هو ترك الحكومة والصبر على قتال أهل الشام . ومجمل السبب أنّ أمارات الغلبة ليلة الهرّير كانت لايحة على أهل الشام فلمّا عاينوا الهلاك استشار معاوية بعمرو بن العاص في كيفيّة الخلاص فقال عمرو : إنّ رجالك لا تقوم لرجاله ، ولست مثله إنّه يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره وأنت تريد البقاء وهو يريد الفناء ، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم ، ولكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا وإن ردّوه اختلفوا : ادعهم إلى كتاب اللَّه حكما فيما بينك وبينهم فإنّك بالغ به حاجتك فإنّى لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه فعرف معاوية ذلك فلمّا أصبحوا رفعوا المصاحف على أطراف الرماح وكان عددها خمس مائة مصحف ورفعوا مصحف المسجد الأعظم على ثلاثة رماح مشدودة يمسكها عشرة رهط ونادوا بأجمعهم : اللَّه اللَّه معشر العرب في النساء والبنات اللَّه اللَّه دينكم هذا كتاب اللَّه بيننا وبينكم . فقال عليه السّلام : اللَّهمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا وبينهم إنّك أنت الحكم الحقّ المبين ، وحينئذ اختلف أصحابه فقالت طائفة : القتال القتال ، وقال أكثرهم : المحاكمة إلى الكتاب ولا يحلّ لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب وتنادوا من كلّ جانب الموادعة فقال عليه السّلام في جوابهم : أيّها الناس إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب اللَّه ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إنّي أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شرّ صغار وشرّ رجال ويحكم إنّها كلمة حقّ يراد بها